مقارنة Nikon N-RAW وProRes RAW: تجربة عملية بعد أشهر من الاستخدام
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً بين صناع الأفلام أن جميع صيغ RAW تقدم النتيجة نفسها. يكفي أن تصور بصيغة RAW، ثم تعدّل التعريض وتوازن اللون الأبيض في مرحلة المونتاج، وستحصل على أفضل جودة ممكنة.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
فكل صيغة RAW تعتمد فلسفة مختلفة في التعامل مع بيانات المستشعر. بعضها يركز على تقديم أعلى جودة ممكنة بغض النظر عن حجم الملفات، بينما يحاول بعضها الآخر تحقيق توازن بين الجودة، وسرعة سير العمل، ومتطلبات التخزين.
عندما أعلنت نيكون عن N-RAW، اعتبره كثيرون مجرد صيغة RAW جديدة مخصصة لكاميرات الشركة، لا تختلف كثيراً عن الخيارات الأخرى الموجودة في السوق. لكن بعد أشهر من الاستخدام العملي، شملت تصوير أعمال وثائقية، واختبارات مقارنة مباشرة، وساعات طويلة من المونتاج، خرجت بانطباع مختلف تماماً.
فـ N-RAW ليس مجرد بديل لـ ProRes RAW، بل هو محاولة لإعادة تعريف فكرة التصوير بصيغة RAW وجعلها أكثر عملية في الاستخدام اليومي.
هل تحتاج فعلاً إلى التصوير بصيغة RAW؟
قبل الحديث عن المقارنة، هناك سؤال أهم يجب أن تطرحه على نفسك:
هل تحتاج أصلاً إلى التصوير بصيغة RAW؟
الإجابة بالنسبة للكثير من صناع المحتوى هي: لا.
فالكودات الحديثة مثل H.265 أصبحت تقدم جودة ممتازة، مع أحجام ملفات معقولة وسهولة كبيرة في المونتاج. وإذا كان استخدامك يقتصر على فيديوهات يوتيوب، أو منصات التواصل الاجتماعي، أو المقابلات، أو المشاريع ذات التسليم السريع، فغالباً لن تستفيد كثيراً من RAW.
أما إذا كنت تعمل في مجالات مثل:
- الأفلام الوثائقية.
- الإنتاجات التجارية.
- الأفلام الروائية.
- التصوير في ظروف إضاءة صعبة.
- مشاريع تعتمد بشكل كبير على تصحيح الألوان.
- المؤثرات البصرية.
فهنا تبدأ مزايا RAW بالظهور بوضوح.
إذ يحتفظ RAW بمعظم البيانات الأصلية القادمة من المستشعر، مما يمنحك حرية أكبر في تعديل التعريض، واستعادة التفاصيل، وتغيير توازن اللون الأبيض، ومعالجة الألوان في مرحلة ما بعد الإنتاج.
هذه المرونة تأتي على حساب حجم الملفات ومتطلبات الأجهزة، لكنها قد تصنع فرقاً حقيقياً في المشاريع الاحترافية.
ليست كل صيغ RAW متشابهة
رغم أن جميعها تحمل اسم RAW، إلا أن لكل شركة فلسفتها الخاصة.
ARRI RAW يظل المعيار الذهبي من حيث الجودة المطلقة، لكنه ينتج ملفات ضخمة تتطلب بنية تخزين قوية جداً.
أما ProRes RAW فيركز على الحفاظ على الجودة مع تقديم تجربة مونتاج سلسة، خصوصاً داخل منظومة Apple.
في المقابل، يعتمد Blackmagic RAW على معالجة جزئية داخل الكاميرا مع ضغط فعال، ليقدم واحداً من أكثر تجارب العمل سلاسة في القطاع.
أما REDCODE RAW، فقد اشتهر بإمكانية اختيار نسب ضغط مختلفة تتيح للمصور الموازنة بين الجودة وحجم الملفات بحسب طبيعة المشروع.
أما N-RAW، فيسلك طريقاً مختلفاً.
فهو يقدم تسجيل RAW مضغوطاً وعالي الكفاءة داخل الكاميرا نفسها، ومن دون الحاجة إلى مسجل خارجي، مع إمكانية التسجيل مباشرة على بطاقات الذاكرة.
وقد تبدو هذه نقطة بسيطة، لكنها في الواقع واحدة من أهم مزايا النظام.
فحتى وقت قريب، كان التصوير بصيغة RAW يعني غالباً حمل مسجل خارجي، وأسلاك إضافية، وتجهيزات أكبر وأكثر تعقيداً.
أما مع N-RAW، فأصبح بالإمكان الحصول على كل هذه المرونة من داخل الكاميرا نفسها.

ما الذي يميز N-RAW؟
N-RAW هو ترميز RAW خاص بنيكون يعتمد معالجة 12 بت مع ضغط عالي الكفاءة للتسجيل الداخلي.
وهو متوفر حالياً في كاميرات مثل:
- Nikon Z9
- Nikon Z8
- Nikon Z6III
- Nikon Z5II، التي تستطيع تسجيل N-RAW داخلياً حتى على بطاقات SD، وهو أمر لافت في هذه الفئة السعرية.
بدلاً من التركيز على تقليل الضغط إلى أدنى حد ممكن، ركزت نيكون على تقديم صيغة تجعل التصوير بصيغة RAW قابلاً للاستخدام اليومي.
والنتيجة كانت ترميزاً يحتفظ بمعظم مزايا RAW، مع تقليل كبير في حجم الملفات مقارنة بالعديد من المنافسين.
وبرأيي، فإن هذه هي أهم نقطة في N-RAW.
فهو لا يجعل التصوير أفضل فحسب، بل يجعله أكثر عملية.

الاختبار العملي
بدلاً من الاكتفاء بالمواصفات النظرية، أجرينا اختباراً مباشراً باستخدام كاميرتين متطابقتين من نوع Nikon Z6III.
وقد اعتمد الاختبار على:
- عدستين NIKKOR Z 24-70mm f/4 S.
- إعدادات تصوير متطابقة.
- بطاقات ذاكرة متشابهة.
- استخدام N-Log في كلا النظامين.
- ظروف إضاءة واحدة.
ثم جرى المونتاج باستخدام بيئة العمل الطبيعية لكل كودك:
- N-RAW داخل DaVinci Resolve.
- ProRes RAW داخل Final Cut Pro.
ورغم أن المقارنة بين برنامجين مختلفين ليست مثالية من الناحية العلمية، فإنها تعكس الطريقة التي يعمل بها كثير من المحترفين في الواقع.

حجم الملفات… هنا تظهر قوة N-RAW
كانت أول نتيجة لفتت انتباهي هي حجم الملفات.
في جميع الاختبارات تقريباً، جاءت ملفات N-RAW أصغر بحوالي 40 إلى 50% مقارنة بـ ProRes RAW.
| الاختبار | N-RAW | ProRes RAW |
|---|---|---|
| الأول | 7.85 جيجابايت | — |
| الثاني | 10.45 جيجابايت | 19.53 جيجابايت |
| الثالث | 15.63 جيجابايت | 28.64 جيجابايت |
وهذا لا يعني مجرد توفير مساحة تخزين.
بل يعني أيضاً:
- التسجيل لفترات أطول.
- تقليل تكلفة بطاقات الذاكرة.
- تسريع عمليات النسخ الاحتياطي.
- تقليل تكاليف الأرشفة على المدى الطويل.
وبالنسبة لمصور وثائقي أو مصور فعاليات، فإن هذا الفارق يصبح مهماً جداً بعد يوم تصوير واحد فقط.
ماذا عن جودة الصورة؟
تقليل حجم الملفات لا قيمة له إذا جاء على حساب جودة الصورة.
ولحسن الحظ، لم يكن هذا ما وجدناه.
استعادة التفاصيل
قدم الترميزان أداء ممتازاً في استعادة التفاصيل داخل المناطق الساطعة، مع إمكانية إجراء تعديلات قوية أثناء تصحيح الألوان.
الظلال
كذلك حافظ كلا النظامين على انتقالات لونية نظيفة داخل الظلال حتى بعد تعديلات كبيرة.
تصحيح الألوان
منح الترميزان مرونة عالية في تعديل الألوان وتوازن اللون الأبيض، كما هو متوقع من تسجيل RAW بدقة 12 بت.
الحدة
بدا ProRes RAW أكثر حدة بشكل طفيف قبل المعالجة.
لكن بعد تصحيح الألوان وإكمال سير العمل المعتاد، أصبح من الصعب جداً ملاحظة أي فرق عملي بين النظامين.
الضوضاء الرقمية
كان أداء الترميزين متقارباً جداً.
وبعد تطبيق إزالة الضوضاء، بدا N-RAW أفضل قليلاً في اختباراتنا، مع احتمال أن يكون جزء من هذا الفارق ناتجاً عن اختلاف محركات المعالجة بين DaVinci Resolve وFinal Cut Pro.
Banding
لم ألاحظ أي ظهور لظاهرة Banding في أي من الترميزين.
سير العمل لا يقل أهمية عن جودة الصورة
من وجهة نظري، لا يكفي أن يقدم الترميز صورة ممتازة.
إذا كان سيعقد عملية الإنتاج، فستفقد هذه الجودة كثيراً من قيمتها.
وعند كتابة هذا المقال، كانت بيئات العمل على النحو التالي:
يدعم DaVinci Resolve ترميز N-RAW بشكل ممتاز، مع بقاء بعض القيود مثل عدم إمكانية تعديل ISO.
يواصل Adobe Premiere Pro توسيع دعمه لـ N-RAW.
يظل Final Cut Pro البيئة الأفضل للعمل مع ProRes RAW.
بينما لا يدعم DaVinci Resolve ترميز ProRes RAW بشكل مباشر.
ولهذا، فإن اختيار الترميز قد يعتمد أحياناً على برنامج المونتاج الذي تستخدمه أكثر من اعتماده على جودة الصورة نفسها.

الاعتمادية أثناء التصوير
من أكثر الأسئلة التي أتلقاها: هل يؤدي تصوير RAW إلى ارتفاع حرارة الكاميرا؟
خلال الاختبارات، سجلت لقطات طويلة ومتواصلة باستخدام Nikon Z6III مع N-RAW، ولم أواجه أي مشكلة تتعلق بارتفاع الحرارة.
وهذا يمنحني ثقة كبيرة عند استخدامه في الأفلام الوثائقية، أو المقابلات الطويلة، أو تغطية الفعاليات.
أين أستخدم N-RAW اليوم؟
بعد استخدامه في الاختبارات وفي أعمالي الفعلية، بما في ذلك تصوير الأفلام الوثائقية، اكتشفت أن أكثر ما يعجبني في N-RAW ليس أنه يقدم صورة أفضل من المنافسين.
بل أنه يجعل التصوير بصيغة RAW أقل تعقيداً.
فالتسجيل الداخلي، وحجم الملفات المعقول، ومرونة تصحيح الألوان، واستقرار أداء الكاميرا، كلها عوامل تجعلني أركز على التصوير نفسه، بدلاً من التفكير في أجهزة التسجيل الخارجية أو المساحات التخزينية أو تعقيدات سير العمل.
وهذا، بالنسبة لي، هو الإنجاز الحقيقي لـ N-RAW.
متى أنصح باستخدام N-RAW؟
أنصح به إذا كنت
- تعتمد بشكل كبير على تصحيح الألوان.
- تستخدم DaVinci Resolve في أعمالك.
- تصور أفلاماً وثائقية أو مشاريع تجارية.
- تهتم بتقليل استهلاك مساحة التخزين.
- ترغب بأقصى مرونة ممكنة أثناء المونتاج.
وقد يكون H.265 خياراً أفضل إذا كنت
- تنتج محتوى لمنصات التواصل الاجتماعي فقط.
- تحتاج إلى تسليم سريع للمشاريع.
- لا تجري تعديلات لونية متقدمة.
- يعمل جهازك بصعوبة مع ملفات RAW.
الخلاصة
بعد أشهر من الاختبارات، لم أعد أنظر إلى N-RAW على أنه مجرد رد من نيكون على ProRes RAW.
بل أراه محاولة لحل مشكلة أكبر بكثير، وهي جعل التصوير بصيغة RAW خياراً عملياً، وليس حكراً على الإنتاجات السينمائية الضخمة.
فجودة الصورة ممتازة، وأحجام الملفات أقل بكثير مما كنت أتوقع، وإمكانية تسجيل RAW داخلياً من دون الحاجة إلى مسجل خارجي تجعل التجربة أبسط وأكثر سلاسة.
هل هو نظام مثالي؟
ليس بعد.
فدعم البرامج لا يزال يعتمد على منصة المونتاج التي تستخدمها، وما زال ProRes RAW يتمتع بحضور أقوى داخل منظومة Apple.
لكن إذا كان سير عملك يعتمد على DaVinci Resolve، أو بشكل متزايد على Adobe Premiere Pro، فإن N-RAW أصبح واحداً من أقوى الأسباب التي تجعل كاميرات نيكون خياراً جدياً لصناع الأفلام.
والأهم من ذلك، أنه يثبت أن نيكون لم تعد تكتفي بملاحقة المنافسين في مجال الفيديو، بل أصبحت تقدم حلولاً عملية تعالج تحديات حقيقية يواجهها صناع المحتوى كل يوم. وهذا، في رأيي، أهم بكثير من أي رقم على ورقة المواصفات.
